ما بين محمد وياسر ……مصير واحد

كتبهاعبود ، في 4 يونيو 2007 الساعة: 18:04 م

ما بين محمد وياسر ……مصير واحد

حين رايته يجلس علي احدي العربات في الشارع وفي يده التي يخفيها وراء ظهره سيجارة ولكنها واضحة كالشمس من شدة نحافته ,كان يأخذ النفس مسرعاً ثم يعيدها بطريقة خفية إلي مستقرها وراء ظهره , كان الأطفال واقفين من حوله وهو يقودهم يفتقدون القائد الشجاع الذي لا يخشي والديه ويدخن السجائر ويعرف كل من يمر عليهم في الشارع ويسلم علي هذا ويضحك علي هذا ويظل هو من يقوم بتلك الأفعال وحده دون أن يجرؤ أحد علي فعلها فهو الكوماندا الأوحد الكل يطيع أوامره حين يقول يا رب أمه تموت اللي مش هيضرب "فوله " يقوم الجميع بضرب "فوله " وهذا اسم شهرة لطفل هو الأخر ارتضي أن يكون أحد أتباع "ياسر " مع الفارق الجسماني بينهم الذي يجعل منه بطلاً بل بعبعاً لمن هم في سنه لكنه ارتضي بذلك فكان هو أول من يحاول ياسر إخضاعهم بضربه من الجميع ليعلم إنه سيهزم من ياسر ولكن علي يد الجميع فيحاول "فوله بعد فترة أن يرد عليه اللعبة ويقول بصوت جهور عالي … يارب أمه تموت اللي مش هيضرب ياسر ..

يقف ياسر وسط الشارع منتصب القامة مستعد لأي من المجموعة سيبدأ بالضرب ينتظر مترقباً برعشة قليلة اهتزت معها أركان مملكته الصغيرة فقد كان الضرب في المرة السابقة ضرباً مبرحاً لفوله الذي بدأ هو بالضرب ولكنه لم يكن بالضرب بل كان لمس تعبيراً عن الضرب فتشجعت المجموعة وقامت بالضرب ….. باللمس , فقام ياسر بعمل حركات توحي بتلقي الضربات ومحاولة تفاديها ويثبت بها أقدامه علي الأرض التي يقف عليها فقد أصبح الكوماندا الفعلي للشارع .

محمد جاري كنا نلعب معاً سوياً في الصغر دائماً ما كنا نتشاجر والشجار هنا لم يكن شجار عادي بل كان بين اثنين يسكنان منطقة شعبية كان الشجار أشبه بخناقة مصغرة يشترك فيها الأهالي في بعض الأحيان كنت أقوم بضربه نظراً لأنني أكبر عنه بعاميين وكان هو يلقي بالطوب علي شباكنا بعض أن تأخذنني والدتي إلي داخل البيت وتمنعني من الخروج إلي الشارع لفترة ……. لم يتكسر الزجاج فقد أدرجته هو الأخر أمه وجعلته يلعب بعيداً .

لم يستطع محمد أن يقودوني أنا وبقية الأصحاب فقرر أن يكون هو القائد لتلك المجموعة لكنها مجموعة من أشخاص أخريين  نعم أذكرهم جميعاً الآن توتو وحموكشة وأحمد زينب وأتو وغيرهم الكثير وكان هؤلاء جميعاً يصغرونني بأربع أو خمس سنوات وكانوا بالنسبة لنا عيال ولكنه كون بهم مجموعته الصغيرة ليواجهنا بهم .

 لم يكن محمد هو صاحب تلك الفكرة بل كان هناك شخص أخر اسمه أحمد هو صاحب الفكرة وكان في سن محمد فأراد مواجهتنا بتلك الجماعة غير العادية فهم أكثر يحركهم كما يشاء لكن أحمد ترك الشارع وعزّل تاركاً من خلفه الساحة لمحمد ليقود تلك الجماعة , لكن تلك الجماعة لم يكن بها فوله كان بها محمد فقط .

في تلك الأوساط المغمورة لا أمل أن يخرج منها شخص سوي إلا من تم الإحكام عليه خلال فترة الطفولة فإما إنك صايع أو طالب مدرسة البنات بعد ما تخلص الدبلوم ده إذا أكملت تعليمك في الأساس والحمد لله دلوقتي كلهم قاعدين علي القهاوي لحد ما فلوسهم تخلص يقوموا يقفوا علي النواصي , حتى اللي ربنا فتح عليه ودخل الجامعة, لا تخرج الزهرة المتفتحة من المستنقع إلا وكان ورائها أحد يراعيها أنغمس في المستنقع وأصبح جزء منه  وإلا ما كانت زهرة كانت ستظل ريم متعفن علي سطح المستنقع أو زهرة ميتة تقبع في قاع المستنقع تتشابك مع مثيلاتها بحثاً عن مكان تستقر فيه غير موجود .

محمد …. ياسر زهرتان إحداهما سقط في القاع وسيظل هكذا طوال عمره والأخر بدء مرحلة الهبوط  كلاهما وجهان لعملة واحدة تسقط من أعلي في النهاية سيستقر الوجهان في القاع ويدمر كل من حوله خلال رحلة الاستقرار هذا إن تم الاستقرار في القاع ولم يذهب كلاهما داخل القاع ويتلاشي داخل الطين كلاهما يحلمان بالسطح لكنهما يسحبون إلي القاع بل إلي داخل القاع نفسه فالقاع لا يترك أحد يصل إليه يذهب بعيد عنه بل يجذبه إليه ويمتصه ولا يرمه إلا كان عديم الفائدة .

محمد ….. ياسر لم يجدا الحياة أمامهم بل وجدوا الشارع وصدق من قال إن الشارع مدرسة لكنه في الواقع مدرسة منحلة لا أخلاقية في عصر انتهي منه ما كنا نسمع عنه في الصغر فقد تغير الشارع من مدرسة الحياة إلي مدرسة الفجر والخروج عن المألوف دائماً ولم يجدوا المربي مع الشارع فلا الشارع وحده ينفع ولا المربي وحده يجدي ,حياتهم مليئة لديهم طموح فاقد الأمل لديهم قوة خادعة والشارع يغويهم بسحره .

محمد لم يجد أباً له ولد ليعيش مع أمه التي تركته بدورها إلي أمها تتولي رعايته حاملة هي هم إخوته الآخرين فالأب سجين ,الأم لا تعمل ,الأبناء مشردين يقضون في الشارع أكثر مما يقضونه في بيتهم لتتخلص من إزعاج طفل القي به إلي الشارع وتلك هي المصيبة التي ابتلينا بها فماذا جنينا من الشارع في منطقة عشوائية لا علاقة لها بالمجتمع مناطق غير موجودة علي الخريطة يتحدثون عنها من باب الشهرة ولزوم الشوكة والسكينة لكنهم لا يعلمون عنها شي , العالم قايمة نايمة تضرب وتموت في بعض ومحدش هنا لا أمن بيتدخل ولا نواب بيتكلموا والحياة ماشية إلي النهاية .

ياسر مصيره محتوم فهو لا يختلف كثيراً عن محمد فهي نفس البيئة فأري نفسي من جديد وأنا أشاهده أري محمد أخر تحت اسم ياسر أري محمد قد تجسد أمامي حتى في نحافته وحركاته البهلوانية التي تشد الانتباه إليه  فقد شابه في الكثير من الأفعال .

محمد …. ياسر  كلاهما نتاج مأزق اسمه العشوائيات لا مستقبل لهم فهم يدرون في ساقية معصبي العينين  لا يمكن الخروج منها فقد سيطر عليك الشارع فلن يتركك بسهولة , الشارع كما علمني علم الكثيرين منهم محمد وياسر لكن الشارع لا يرحم ركبت موجته لن تنزل من عليها إلا بعد أن تأخذ الهدر ويخدعك ويتركك وحيداً عاري لا سند لك سوي نفسك وفي تلك اللحظة ستضيع نفسك  .

الحكاية تبدأ بسيجارة ولعة مرمية في الشارع لسه رميها واحد معدي وبنارها تزغلل عين الواحد اللي فاكر انو هيبقي راجل , سيجارة مرمية علي الأرض قدامنا ومولعة وفيها نفسين تلاتة حد يقوم يجبها محمد قام جابها وخد النفس الأول وإدهاني ..مسكتها افتكرت البيت وأمي و فضلت ماسكها شوية …خليك راجل ..أنا راجل .. ماهوه باين…. طيب ….أنا بقلك أنا راجل غصبن عنك وعن اللي خلفوك ……… إيه ده أنت عبد الحميد أخو مصطفي طب والنعمة لأقول لآخوك….. سبارس ……. إخس , رميت السيجارة ودوست عليها زعق محمد علي النفسين …. ليه كده حرام عليك ….وأنت مين أنت التاني محمد والنعمة لأكون قايل لخالك …. يا عم روح غور في داهية مبقاش غيرك أنت كمان مبقاش غير علي اللي ماشي مع البت رشا أخت محمد فرن اللي هيتكلم ….. بجد ياه هوه علي ماشي رشا …. أيوه يا عم أنا أمبارح شايفهم واقفين مع بعض في الحارة الضلمة اللي هناك الساعة 8 ……اختفي علي ومازلت أتذكره بالشكر علي هذا الموقف الذي أعتبره فاصل بيني وبين محمد لقد غير هذا الموقف من حياتنا  لقد فرق بيننا هذا الموقف .

ياسر حين رآني واقف أشاهده هو ومجموعته عن بعد ألقي السيجارة من يده حيث كان خائف مني فقد كنت امسك بتليفون بكاميرا طبعاً مش بتاعي فأعتقد إنني أصوره كنت أفكر في تصويرهم جميعاً , أرسل نحوي "نوفه" ذلك اسمه ليتقصي الموقف هل أصور أم لا ,حين أقترب نوفه مني تظاهرت باللعب علي الجهاز حتى عاد إلي الريس قاله مش بيصور , فبدوا من جديد فاصل من الغناء علي طريقة إلقاء التحية في الأفراح البلدي حيث يقوم ياسر بنطق اسم الشخص الذي يريدون تحيته ويقوم البقية بنطق نفس الاسم بنفس الطريق وفي أغلب الأحيان كان ينطق الاسم في المرة الأولي وفي الثانية يطلق جملة من ثلاثة كلمات علي الأكثر علي نفس الشخص . مثلاً فوله مصحوبة بنغمة من الفم ثلاث حركات الأولي منفردة ثم اثنتان متتابعتان فتقوم البقية بتنفيذ نفس النغمة ثم يقول ياسر جملة أخري علي الشخص المراد وكانت البداية بفولة  والنهاية بي الأستاذ ……….. اللي بيصورنا .

نظرت إلي ياسر فشاهدت محمد أمامي يتمايل انه هو هل فقدت عقلي أم إنهم جميعا أشباه نتاج مجتمع خاطئ  مجتمع جعل منهم دمي لا تتحرك إلا في حيز ضيق مجتمع فاسد لا ينتج سوي المفسدين الناقمين عليه فمحمد لم يجد من يوجهه فوجه نفسه بنفسه وأصبح المال الذي يتمناه هدفه والشرب أهله باع نفسه لمروجي البانجو والحشيش وفي الأفراح باع البيرة وشرب كلاهما أصبح مثلهم لقد جروه إليهم لقد سقط في المستنقع وانزلق حتى ثبتت قدماه في القاع وشب يافعاً في عالم القاع عالم اللا مواطنة اللي مش موجودين أساساً ولا في بال حد طول ما أنت  مبتتكلمش في السياسة والدين هيّس عيش علي هامش الحياة فقد أتيت لتذهب دون الظهور او الإحساس بك فأنت لم تكن كي تكن  يا عم هيّس أحسن ما يتهيّس عليك ديه لغة محمد وياسر ومن تربوا في الشارع بل وقد تطورت لغتهم وأفعالهم وأصبحوا أشرس مما كان عليه من سبقوهم وقد تاهوا داخل القاع لا يظهرون غلا في ليالي الملاح اليومية في المناطق الشعبية لمشاهدة الراقصة العارية إنها عارية تماماً كحياتهم .

محمد قتل  ………. ياسر لسه .

مفيش كلام محمد في السجن ….ياسر لسه فيه كلام …. سلام .

عبد الحميد سعيد

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الحضارة, الحيونات, تاريخ, خواطر, صحافة, صحفيين, فكر, قصة, كلام, مصر | السمات:, , , , , , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر